سعيد عطية علي مطاوع

97

الاعجاز القصصي في القرآن

ومن النماذج الإنسانية التي قدمتها القصة القرآنية ، وتجاوزت بها حدود الشخصية المعينة إلى الشخصية النموذجية ، نشير فيما يلي إلى أبرز شخصيات القصص القرآني : 1 - شخصية إبراهيم : لقد كانت شخصية إبراهيم محورا لأحداث مختلفة كشفت عن ملامحها في تطور رائع ، إنه أنموذج الهدوء ، والتسامح والحلم : " إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ " ( هود : 75 ، والتوبة : 114 ) فها هو ذا في صباه ، دائب التفكير والتأمل يبحث عن ربه : " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ " ( الأنعام : 76 - 80 ) . ثم وهو يحاور أباه في معبوده ، ويقنعه أن يهجر عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئا ، وينهاه عن عبادة الشيطان ، لأنه يخاف عليه أن يسمه عذاب من الرحمن ، ويكون للشيطان وليا . ويقف الأب من ابنه موقفا غليظا صلبا ويأمره أن ينتهي عن آرائه ومعتقداته ، ويعجب منه كيف يرغب عن آلهة أبيه ، ثم يهدده بالرجم ، أو الطرد إن لم ينته ويتراجع . ويبقي الفتي أديبا ، بارا ، محبا لأبيه ، جديرا بتحمل رسالة السماء ، متلطفا في جوابه لأبيه ، فيقول له : " قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا " ( مريم : 47 - 48 ) . وإبراهيم الهادئ الرزين الوقور في صباه ، وشبابه يبقي هو هو في شيخوخته ، بل تزيده الشيخوخة وقارا ورزانة ، وعقلا . ذلك أنه حين ينزل في مكة مع أهله وأسرته يجد الأرض قفرا ، والدنيا قحلا ، والمكان جدبيا ، فيرفع يديه إلى السماء ضارعا إلى من آمن به ويجأر